عمر فروخ

38

تاريخ الأدب العربي

واستطاع الفاطميّون أن يجعلوا الخطبة في مكّة لهم مرّة بعد مرّة . ولكنّ الخطبة في مكّة عادت إلى العبّاسيّين سنة 468 ه . وبدا للعبّاسيّين أن الذين يقومون بهذه الأعمال المغايرة للاسلام إنّما هم الباطنية المتستّرون بالدعوة العلوية رياء وظلما . « وهم الإسماعيلية وهم الذين كانوا قديما يسمّون قرامطة » ( ابن الأثير 10 : 313 ) . ومع نشوب الحروب الصليبية اتّضحت مخطّطات الباطنية في ممالئة الصليبيّين وعداء الإسلام واغتيال رجال العلم والسياسة من المسلمين ، فأدرك العبّاسيّون أنّ أمر هؤلاء الباطنية لا يصلح بالدعوة الصالحة فأخذوا بقتالهم وقتلهم . ولم يكن التنازع دائرا بين المذاهب الفاطميّة وحدها ، ولا بين الشيعة وأهل السنّة فحسب ؛ ولكنّ أتباع المذاهب السنّيّة أيضا كانوا في نزاع شديد جدّا إلى حدّ الاقتتال في الشوارع : كان الحنابلة - أتباع المذهب الحنبليّ « 1 » - متشدّدين جدّا في مسائل العبادة وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . ثمّ كانوا لا يكتفون بظاهر أمر الناس بل يحاولون النفوذ إلى حقيقة أمرهم . من ذلك مثلا أنّهم كانوا يطوفون الأحياء ويدخلون إلى الدكاكين والبيوت يبحثون عن الخمر وآلات الغناء واللّهو فإذا وجدوا منها شيئا أتلفوه . وكذلك كانوا يعترضون السائرين في الطرقات ، فإذا رأوا رجلا يسير مع امرأة أو مع صبيّ تصدّوا له وسألوه عن صلته بتلك المرأة أو بذلك الصبيّ « 2 » . ولم يكن الأحناف أو الحنفيّة - أتباع أبي حنيفة « 3 » - أقلّ تقى ولا أقلّ محافظة على مكارم الأخلاق من الحنابلة ، ولكنّهم كانوا يرون أنّ الإسلام لا يجيز للمسلم

--> ( 1 ) أسس هذا المذهب أحمد بن حنبل ( ت بغداد 242 ه - 855 م ) على الحديث ( أقوال محمد رسول اللّه ) والسنة ( أعمال رسول اللّه ) ، ولم يكن يقبل الرأي في أمور الفقه ، ولا لجأ إلى القياس إلا إذا اضطر إلى ذلك . ( 2 ) عن درجة القرابة التي تسمح له بمرافقتهما . ( لئلا تكون رفقته لأحدهما مؤدية إلى ريبة ) . راجع ابن الأثير ( دار بيروت - بيروت ) 8 : 307 - 308 . ( 3 ) المذهب الحنفي أسسه أبو حنيفة النعمان بن ثابت ( ت بغداد 150 ه - 768 م ) . وكان أبو حنيفة قليل الاعتماد على الحديث لا يأخذ إلا بما يثق هو به من الحديث . من أجل ذلك كان كثير الأخذ بالرأي ( الاجتهاد الشخصي ) في المعاملات ( التجارة والزواج وسائر الأمور الاجتماعية ) لا في العبادات ( الصلاة والصوم ، الخ ) . وكان يأخذ بالقياس ( يحكم في أمر جديد ، لم يكن في أيام الرسول ، بحكم قريب من الحكم في أمر يشبهه في أيام الرسول ) وبالاستحسان ( قبول ما تواضع عليه الناس في معاملاتهم إذا لم يرد في الدين نص مخالف لذلك ) .